محمد الغزالي

206

فقه السيرة ( الغزالي )

هذه حرارة الإيمان غمرت - بدفئها - الرجل ، وجعلته ينفذ في كبد الليل البارد وكأنّه سهم مسدّد . هذا الإيمان المرتكز على العواطف المتقدة ، هو الذي أشعل المعارك الطاحنة ، وقاد إلى النصر المظفّر ، وهو الذي هدم ما تركّز قرونا طويلة من سلطان الظلم والبغي ، بعد ما ظنّ أنه لن يطاح به أبدا . وأساسه ما علمت ، من تغلغل الإيمان في العقل والعاطفة معا ، يغذو شجرته الباسقة مزيد من معرفة اللّه والشعور بعظمته ونعمته . ذلكم أسلوب القران في تعريف الناس باللّه ؛ إنّه أسلوب يقيمهم على عبودية الحب والتفاني ، لا على عبودية التحقير والهوان ، عبودية الإعجاب بالعظمة ، والإقرار بالإحسان ، لا العبودية المبهمة التي تصادر الإرادة ، وتزري بالإنسان . قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) [ النمل ] . إنّ هذا التساؤل المتواصل السريع ، يفتح على النفس افاقا بعيدة من الإيمان الذكي ، ويجعلها تهرع إلى اللّه متجرّدة ، تنفر من شوائب الشرك نفور الرجال الكبار من عبث الصبية . وآيات النظر والتفكير يدور - أغلبها - على هذا المحور الثابت . وربّما احتاجت النفس - في ساعات غرورها - إلى لون من أدب القمع والتوعد يكبح جماحها ، وهذا لا يتنافى - البتة - مع الأصل الذي قرّرناه انفا ، فإنّ قسوة الأب مع ولده - حينا - لا تغيّر من طبيعة الحنان فيه . والقران إذ يحرّك المواهب السامية في الإنسان - بعرض اثار القدرة العليا